تخيل عزيزي القارئ، أنك جالسٌ على أريكةٍ ناعمة، في أحد ليالي ديسمبر الباردة تحتسي كوباً من الكاكاو الساخن، وتقلب على التلفاز، فجأة! يظهر على شاشة التلفاز خبرٌ عاجل "نحن لا نلمس الأشياء كل هذا مجرد وهمٍ وسراب" لحظة، ماذا تقول؟!
مثل ما سمعت بالضبط، اترك كوب الكاكاو واتبعني؛ لنكتشف مفهوم التلامس من منظور فيزياء الكم، وكيف تؤثر قوة التنافر بين الإلكترونات على مفهوم التلامس بين الأشياء، وهل عبارة نحن لا نلمس الأشياء صحيحة.
الذرات والفراغ: فهم طبيعة المادة من منظور فيزياء الكم.
قبل أن نعرض مفهوم التلامس من منظور فيزياء الكم يجب أن ندرس تأثير طبيعة المادة على مفهوم التلامس؟
ومن ماذا تتكون المواد من حولنا؟
تتكون الأشياء حولنا من جسيمات صغيرة تُسمى ذرات، الذرة بداخلها نواة وجسيمات دون الذرية مثل الإلكترونات وبروتونات ونيترونات، فالنواة تتكون من نيوترونات متعادلة الشحنة وبروتونات موجبة الشحنة، وتدور الإلكترونات سالبة الشحنة بحركة موجية حول النواة؛ ونتيجة حركة الإلكترونات السالبة تتكون سحابة إلكترونية.
ببساطة كل الأشياء حولنا باختلاف اسمها وملمسها تتكون من ذرات، والذرة معظم حجمها فراغ، حيث قال العالم ستيفن هوكينغ "النواة في الذرة مثل كرة البيسبول الصغيرة الموجودة في ملعب كبير جدًا" فهذا يعطينا تصور أن معظم حجم الذرة فراغ.
قوى التنافر، الحاجز وراء التلامس
أنت الآن رُبما ممسكٌ بهاتفك الذكي، وتقرأُ مقالي هذا. أشكرك عزيزي القارئ على اهتمامك وتقديرك لجهودي، ولكن هذا ليس موضوعنا الآن.
يداك يا صديقي تتكون من الذرات التي بداخلها إلكترونات، وهاتفك الذكي يتكون من ذرات داخلها إلكترونات، وأنت تعلم وأنا أعلم أن الشحنات المتماثلة تتنافر.
ترتبط الإلكترونات بالنواة بقوة كهرومغناطيسية، وينتج عن حركة الإلكترون مجالات كهرومغناطيسية، فعندما تقترب إلكترونات مادة مع إلكترونات مادة أخرى تبدأ قوى التنافر بعمل فجوة بين الأشياء المتلامسة، وتتنافر المجالات الكهرومغناطيسية للمادتين.
قوى التنافر هي السبب في أننا لا نلمس الأشياء، وأيضًا قانون الاستبعاد لباولي له دور كبير في أننا نحن لا نلمس الأشياء حقًا، نص قانون الاستبعاد لباولي "لا يمكن لإلكترونين أن يتواجدا بنفس الموقع".
مفهوم التلامس من منظور فيزياء الكم
في عالمنا المادي نعتقد أننا نلمس الأشياء ولكن من منظور فيزياء الكم نحن لا نلمس الأشياء حقاً؛ لأنه تكون هناك مسافة بين أي شيء نحاول لمسه.
تنتج المسافة بسبب قوى التنافر بين للمواد المتلامسة، بمعنى أننا مهما كنا نشعر بهذا التلامس بين الأشياء تخبرنا فيزياء الكم أننا نحن لا نلمس الأشياء مهما حاولنا جاهدين ستبقى هناك مسافة بيننا وبين الشيء الذي نحاول لمسه.
في المثال السابق وأنت ممسكٌ بهاتفك الذكي، لا تلتقي أنوية ذرات يدك بأنوية ذرات هاتفك الذكي، بل تكون هناك مسافة نراها في عالم فيزياء الكم.
حتى لو كنت جالساً على كرسي، سيكون هناك مسافة بينك وبينك الكرسي، بسبب قوى التنافر بين إلكترونات الجسمين، لو كنا جالسين على الكرسي فنحن نحوم فوق الكرسي يعني نحن لا نلمس الأشياء ولا تلتقي ذراتنا مع ذرات الشيء الذي نحاول لمسه.
كيف نشعر بالتلامس، ونحن لا نلمس الأشياء
أنت تخبرني أننا نحن لا نلمس الأشياء، ولكن كيف نشعر بالتلامس ونستطيع التمييز بين ملمس الأشياء حولنا، كيف يحدث كل هذا وأنت ما زلت تخبرني أننا نحن لا نلمس الأشياء حقاً؟
صحيح يا صديقي أننا نحن لا نلمس الأشياء بالحقيقة ومن منظور فيزياء الكم، لكن من منظور حياتنا المادية نشعر أننا نتلامس مع الأشياء بفعل تفسير دماغنا للعالم المادي.
ما نشعر به هو نتيجة تأثير قوى التنافر لإلكترونات المواد المتلامسة.
دماغنا يستقبل إشارات كهربائية ناتجة عن تأثير قوى التنافر والمجالات الكهرومغناطيسية للمواد المتلامسة ويفسرها على أنها إحساس بأننا نحن نلمس شيء ما، ولكن تخبرنا فيزياء الكم أننا مهما حاولنا فنحن لا نلمس الأشياء، أن الشعور بالتلامس ما هو إلا نتيجة لتأثير قوى التنافر وتنافر المجالات الكهرومغناطيسية للمواد.
الحقيقة يا صديقي نسبية، فنحن نرى ونلمس الأشياء بناءً على ما نراه ونعتقده في عالمنا المادي، فنحن نرى الحقيقة بالنسبة للمعطيات حولنا وما يوفره لنا عالمنا المادي، فعالم فيزياء الكم يدرس العالم من منظور الذرات والقوى الخفية التي نجهل وجودها، فعندما تصدمنا فيزياء الكم وتقول لنا أننا نحن لا نلمس الأشياء فهو بالنسبة لعالم الذرات وعالم فيزياء الكم، وعبارة نحن لا نلمس الأشياء صادمة جدًا لأنها باعتقادنا تنافي معتقداتنا عن العالم المادي، فتوضيح وتفسير عبارة نحن لا نلمس الأشياء تعتمد على ركائز فيزياء الكم التي تصدمنا دائمًا، من الأفضل أن يتصالح الإنسان مع صدمات عالم فيزياء الكم، لأن الإنسان مهما بلغ من علم لا يستطيع أن يحيط بكل شيء ولا يعلم الحقيقة المطلقة لأي شيء، فعليك يا صديقي أن تؤمن أننا نحن لا نلمس الأشياء، ولا تنسَ أن تصدم عائلتك وأصدقاءك بعبارة نحن لا نلمس الأشياء فعليًا، وكن متصالحًا مع صدمات فيزياء الكم.