القنبلة النووية أو القنبلة الذرية أو السلاح النووي هي سلاح تفجيري يعتمد عمله على تفاعل الانشطار النووي(Nuclear fission) لإطلاق كميات هائلة من الطاقة.

Image

القنبلة النووية الأولى في التاريخ و مأساة هيروشيما.



  • عدد الزيارات ( 463 )
  • تاريخ النشر: 26 / ديسمبر/ 2024

16 يوليو 1945 هو اليوم الذي شهِد فيه العالم نجاح أول اختبار لاول سلاح عسكري غير تقليدي. سلاح غير مفهوم الحرب إلى الأبد، وجعل كثير من دول العالم تعلو على بعضها بفضل امتلاك هذا السلاح الذي أقل ما يقال عليه أنه مرعب وكارثي. انها القنبلة النووية يا عزيزي، السلاح الأكثر فتكاً وخطراً في العصر الحديث. في ال Trinity test وهو اسم الاختبار لاول قنبلة نووية في التاريخ تعمل بانشطار البلوتونيوم، عندما رأى روبرت أوبنهايمر عالم الفيزياء النظرية والملقب ب أبو القنبلة النووية، نتائج عمله الرهيبة، قال جملته المشهورة المقتبسة من كتاب الهندوسية"الان اصبحت الموت، انا مدمر العوالم" لم يُخطئ اوبنهايمر في هذا التعبير، لأنه فعلا أتاح لدول العالم أن تدمر بعضها بإشرافه وقيادته لأكثر من 100 ألف عالم من مختلف الجنسيات والتخصصات،لصناعة سلاح مدمر جدا كالقنبلة النووية. فما هي القنبلة النووية وماذا فعلت بمدينة هيروشيما اليابانية؟

ما هي القنبلة النووية؟

القنبلة النووية أو القنبلة الذرية أو السلاح النووي هي سلاح تفجيري يعتمد عمله على تفاعل الانشطار النووي(Nuclear fission) لإطلاق كميات هائلة من الطاقة. قنبلتي (Little boy) و (The fat man) من الأمثلة على القنبلة النووية.

تفاعل الانشطار النووي

الانشطار النووي هو تفاعل يقوم على استهداف نواة ذرة عنصر ثقيل وغير مستقر مثل اليورانيوم 235(U235) أو البلوتونيوم 239(Pu239)، بالنيوترونات، فتقفد النواة استقرارها أكثر وتنشطر_تنقسم_فينتج عن هذا الانشطار إطلاق طاقة كبيرة ونيوترونات. يتمثل الانشطار النووي ليورانيوم 235 ونواتجه في هذه المعادلة:

U235+1n=Ba141+Kr92+energy+3n

n: النيوترونات

التفاعل المتسلسل

عزيزي القارئ هل تذكر النيوترونات التي خرجت من تفاعل الانشطار النووي؟ هذه النيوترونات سوف تتحرك نحو أنوية ذرات أخرى مجاورة للذرة المنشطرة الاولى، وتقوم بشطرها أيضاً، وبالتالي هذه الذرات سينتج عن شطرها طاقة كبيرة ونيوترونات، هذه النيوترونات الجديدة سوف تكرر نفس العملية إلى أن تنشطر جميع الذرات في كمية العنصر المُراد وتطلق تلك الطاقة المهولة. وهذه هي الآلية التي يقوم عليها التفاعل المتسلسل(chain reaction).

بداية فكرة القنبلة النووية

في 2 أغسطس وقبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بشهر، استقبل الرئيس الأمريكي (فرانكلين روزفلت) خطاب من (البرت اينشتاين) يبلغه أن العالم على مشارف مصيبة اكتشاف الانشطار النووي على يد العالمان الالمان(أوتُّو هان وفرتز ستراسمان)، وهذا من شأنه أن يُحقق فكرة التفاعل المتسلسل الذي تصوره العالم الفيزيائي الكبير(ليو زيلارد) لأول مرة عام 1933، والذي قد ينتج عنه كمية طاقة جبارة يمكن تحويلها لقنبلة وكان هذا سر خطير واقع بين يدي(هتلر). خطاب اينشتاين سيكون بداية لما يُعرف بالسباق النووي بين دول الحلفاء والمحور لامتلاك هذا السلاح، ومع دخول أمريكا الحرب، نشأ مشروع(مانهاتن) من قبل دول الحلفاء لصنع القنبلة النووية.

مشروع مانهاتن السري

البحث في الطاقة النووية العسكرية ليس جديداً، لكن تلك الجهود كانت متفرقة ومشتتة ولا تتيح للعلماء التواصل مع بعضهم ومشاركة أفكارهم، بعكس الجبهة الألمانية التي كانت موحدة، لذلك سارع روزفلت الى توحيد هذه الجهود العلمية لدول الحلفاء وجمع عدد كبير من العلماء، وصل عددهم إلى أكثر من 100 ألف عالم بقيادة(روبرت اوبنهايمر) وكان من بينهم علماء ألمان هاربين من جبروت هتلر وتعهدوا بمساعدة دول الحلفاء للانتصار عليه وإنهاء الحرب. على الرغم من تسمية المشروع بـ مانهاتن، إلا أن مقاطعة مانهاتن لم تكن لها علاقة بالمشروع، بل مجرد اسم للتمويه، لان المشروع كان قائماً بسرية تامة. إنما كان المشروع يتم إجراؤه في أماكن بعيدة ومعزولة تصلح لإجراء تجارب نووية مثل صحراء نيومكسيكو، حيث كان هناك المختبر الرسمي للمشروع والذي يقبع في مقاطعة لوس الاموس.

كيف تعمل القنبلة النووية؟

تعتمد القنبلة النووية على الانشطار النووي الذي يحدث عندما يتم قذف ذرة عنصر ثقيل وغير مستقر بالنيوترونات، وتفاعل متسلسل يعمل على شطر ذرات المادة المتفاعلة لإخراج تلك طاقة الهائلة.

طريقة انشاء تفاعل الأنشطار

يتم تفعيل الانشطار النووي عندما يقوم نيروتون بضرب أحد أنوية ذرات العنصر للمادة المتفاعلة عن طريق تصميم مبني على قسم المادة المتفاعلة إلى قطعتين، كل قطعة موجودة في جانب من جوانب حاوية القنبلة ومجاورة للقطعة الاخرى، وخلف إحدى القطع يوجد متفجرات تقليدية يتم تفجيرها لحظة تفعيل القنبلة.

تفعيل القنبلة

تحتوي القنبلة على مفتاح امان وعداد زمني، عندما يتم تشغيل العداد الزمني ويصل إلى النهاية، يتفعل مفتاح الامان وتنطلق شرارة تعمل على تفجير المتفجرات، هذا الانفجار يُجبر القطعة على الإندفاع والاصطدام بقوة وسرعة كبيرتين في القطعة المجاورة الأخرى. ما أن يتم الاصطدام، تنطلق النيوترونات لتقوم بشطر أنوية الذرات، ثم يبدأ تفاعل متسلسل مستدام يعمل على شطر الذرات الأخرى، وتنطلق الطاقة الهائلة ويتكون الانفجار.

مأساة هيروشيما: مظاهر جبروت القنبلة النووية

صباح يوم 6 أغسطس في العام 1945 كان صباحاً عادياً في مدينة هيروشيما، والناس يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، الى أن لاحظ بعضهم طائرة Enola Gay الأمريكية من طراز B29 تحلق في سماء مدينة هيروشيما وعلى مسافة 580 متر من سطح الأرض، قامت برمي جسم معدني طوله 3 متر، وكانت هذه أول قنبلة نووية بالتاريخ والتي سميت ب (little boy).

آثار دمار القنبلة النووية على هيروشيما

سقطت القنبلة على منتصف مدينة هيروشيما وتحديداً على مستشفى(شيما)، وفجأة انطلق ضوء مبهر يعم مدنية هيروشيما، كأنه ضوء الشمس الساطع في أحلك الليالي ظلمة كما وصفه بعض الناجين على بعد 8 كم من نقطة الانفجار، وفي اقل من ثانية تتكون كرة من النار قطرها 250 متر ودرجة حرارتها راوحت بين 3000 و 4000 درجة. هذه الكرة التهمت كل الهواء حولها وحرقت كل شخص في مدى 3200 متر، وفي لحظة واحدة كرة النار هذه قتلت 70 ألف إنسان، ماتوا بدون أن يدركوا أنهم على وشك الموت، وبعضهم تبخر حرفيا ولم يبقى له أثر سوى ظله في ظاهرة تعرف بالظلال النووية.

بعد ذلك تندلع موجة صدمة قوية جدا تدمر كل مبنى في محيط 2 كم، هناك بيوت تبعد عن القنبلة 16 كم زجاجها تكسر يا عزيزي، وهناك أناس بعيدين عن القنبلة 60 كم شعروا بها! ومن نجوا من هذا الدمار الاولي وجدوا نفسهم بين عاصفة من كتل المباني الطائرة من الانفجار،كتل ملتهبة تسببت في قتل على حسب التقديرات 30% من اعداد القتلى.

بعد إنتهاء الانفجار، تسود حالة من الهدوء على المدينة، ولكنه ليس هدوء النهاية يا عزيزي، بل هدوء البداية، بداية المأساة...

آثار القنبلة النووية على الناس

اول شيء واجهه سكان هيروشيما هو النار والتي تسببت في زيادتها هبوب رياح قوية نشرت النار في كل مكان. أثناء ذلك، كان الآلاف يخرجون من تحت الأنقاض محاولين استيعاب الحدث، عشرات الآلاف يمشون كالزومبي في وسط مدينة مشتعلة بالنار غير مدركين لما وقع لهم، وغالبيتهم مصاب بحروق فظيعة، لا يمكن التعرف على ملامحهم من شدة حروق الوجه، وهدفهم واحد وهو الوصول إلى أي نهر من أنهار المدينة لمحاولة تخفيف سخونة أجسادهم العالية. يصلون إلى النهر ولكنهم يتفاجأون باشتعال النهر أيضا بسبب قطع أخشاب البيوت المحروقة، و يتزاحمون للنزول في الماء وتخفيف آلامهم وسط كل الدمار والدخان والحرارة العالية، وحولهم آلاف من الجثث الهامدة. غالبية الناس غرقوا في النهر بسبب عدم معرفتهم للسباحة ومنهم من شدة التعب لم يستطع الخروج وغرق وتحول النهر إلى مقبرة من الجثث والدماء. وهناك اناس غرقوا في خزانات المياه وحمامات السباحة ولم يقدروا على الخروج بسبب ضعف حالتهم المأساوية، و كل شخص يستغيذ للنجدة ولكن ما من استجابة، فالمنفذ هو نفسه الضحية.

بعد نصف ساعة تسقط أمطار على هيروشيما، ولكنها كانت أمطاراً غريبة جدا، مطر لونه أسود داكن ومشبع بالدخان والرماد وذرات الإشعاع، يتسبب بحروق وإصابات لكل من يسقط عليه. مع عدم وجود النجدة يقرر من بقي من سكان هيروشيما الخروج إلى التلال التي على حدودها ليشكلوا مسيرة من البشر لا يوجد على وجوههم إلا تعبير واحد وهو الصدمة. يمشون شبه عرايا بعد أن احترقت ثيابهم، غير مبالين لبعضهم لهول الوضع الذي هم فيه ولأن شكل الجلد لم يكن عاديا، بل كان متساقطاً ونازفاً، والناس مجبرين بشكل غريزي لرفع أيديهم للأعلى لتجنب احتكاك الجلد المتهتك ببعضه، كأنهم يستسلمون لعدوا هم لا يرونه.

بعد مدة من القصف والاتصالات مقطوعة بمدينة هيروشيما، يصل تلغراف واحد للقيادة اليابانية ليقول هذه الجملة" اُبيدت هيروشيما بالكامل بقنبلة واحدة " ليكون هناك حالة من الاستنكار من قبل القيادة اليابانية، فكيف لقنبلة واحدة أن تُبيد مدينة كاملة؟!

لم يطل التأمل في هذا الحدث طويلاً حتى حلت المأساة الثانية على اليابان وقصفت أمريكا مدينة ناجازاكي بالقنبلة الثانية والتي سُميت ب(The fat man)، لتستسلم اليابان وتنتهي الحرب.

مضت بضعة أيام من مأساة هيروشيما وبعد استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية، بدأت اثار الإشعاع تظهر على الناجين من انفجار القنبلتين، هذه الآثار كانت غريبة وغير مألوفة للطب، لكن الشيء الذي كان جلياً للجميع أنه من ظهرت عليه هذه الأعراض كان يموت بعدها بأيام او ساعات، أو يصاب بسرطان على المدى البعيد ثم يموت، لتُسفر في النهاية عن مقتل 237 الف نسمة. اعرف جيداً يا عزيزي نظرتك إلى مُصاب سكان هيروشيما بسبب القنبلة النووية، لا يسع للمرء تصور ما حدث لهؤلاء وكل المعاناة والألم الذي عاشوه من 74 غرام فقط من اليورانيوم، لكن بعد كل هذا الدمار وهذه الدماء والأرواح لن تصدقني إن قلت لك أن القنبلة النووية ليست إلا سلاح مدمر بدائي مقارنة مع الجيل الحديث من الأسلحة النووية اليوم، فهناك القنبلة الهيدروجينية التي تفوق قوتها التدميرية قوة القنبلة النووية بأضعاف مضاعفة لا يسع للعقل تخيلها ولا تخيل حجم الضرر التي سوف تسببه إذا أصابت مكاناً حيوياً، ويعيده مئات السنين إلى الوراء بمحو بوصلته وتاريخه حرفياً.