القنبلة الهيدروجينية أو القنبلة النووية الحرارية وهي سلاح نووي تنتج قوتها التفجيرية المأهولة من تفاعل الاندماج النووي (nuclear fusion).

Image

كيف سيتسبب البشر بنهاية العالم؟ القنبلة الهيدروجينية تُجيب.



  • عدد الزيارات ( 338 )
  • تاريخ النشر: 02 / يناير/ 2025

دماء، جثث، حروق، دمار، وحرائق. تلك المشاهد كانت كل ما يحيط بسكان هيروشيما يوم 6 أغسطس 1945، عندما ألقت الولايات المتحدة أول قنبلة نووية في التاريخ، "ليتل بوي"، مودية بحياة 237 ألف شخص. بعد ثلاثة أيام، استُخدمت قنبلة البلوتونيوم "الرجل البدين" على ناجازاكي، لتقتل أكثر من 75 ألف شخص، وتدفع اليابان للاستسلام وإنهاء الحرب العالمية الثانية. عالم الفيزياء روبرت أوبنهايمر، مع أكثر من 100 ألف عالم في مشروع مانهاتن، شاهدوا نتائج عملهم الكارثي. قبل مأساة هيروشيما، وبعد اختبار (Trinity)، اوبنهايمر عقد مؤتمراً للعلماء وقال لهم" اليوم انتم ابطال لكن الناس في وقت قصير سوف ينتقدونكم لوقت طويل جداً". نتائج القنبلة النووية الكارثية فتحت الباب لتطوير أسلحة نووية أكثر تدميراً، وأبرزها القنبلة الهيدروجينية(The Hydrogen bomb).

يعد الانشطار النووي الذي صنع القنبلة النووية مجرد مرحلة أولى في القنبلة الهيدروجينية التي سنعرف ما هي بالضبط القنبلة الهيدروجينية.

القنبلة الهيدروجينية.

القنبلة الهيدروجينية أو القنبلة النووية الحرارية وهي سلاح نووي تنتج قوتها التفجيرية المأهولة من تفاعل الاندماج النووي (nuclear fusion)، ويساعد على بدء تفاعل الاندماج تفاعل الانشطار النووي. من الأمثلة على القنبلة النووية الحرارية قنبلتي (Tsar Bomba) و قنبلة (Castle Bravo).

تفاعل الاندماج النووي

تفاعل الاندماج النووي أو التفاعل النووي الحراري، يقوم على دمج_اتحاد_نواتنان أو أكثر من عناصر خفيفة جدا كالهيدروجين أو نظائره مثل الديوتيريوم(D ذرة هيدروجين ببروتون ونيوترون واحد) والتريتيوم(T ذرة هيدروجين ببروتون ونيوترونين)، تحت درجات حرارة عالية جدا تصل إلى ملايين الدرجات، وينتج عن هذا الدمج نواة اثقل وطاقة هائلة اكبر من تلك التي تنتج من تفاعل الانشطار النووي. تتمثل نتائج اندماج التريتيوم والديوتيريوم في هذه المعادلة:

D + T = He4 + n + Energy

حيث:

He4: عنصر الهيليوم

n: نيوترون

كيف بدأت فكرة القنبلة الهيدروجينية؟

طرح فكرة مشروع السلاح الجديد

بدأ البحث الامريكي حول الاسلحة النووية الحرارية من خلال محادثة في سبتمبر 1941 بين عالم الفيزياء الأمريكي ذو الأصل الإيطالي(انريكو فيرمي) وبين العالم الفيزياء النووية الأمريكي(ادوارد تيلر)حيث؛ تساءل فيرمي عما إذا كان الانفجار الناتج من سلاح الانشطار قادر على ان يشعل كتلة الديوتيريوم بما يكفي لبدء الاندماج النووي.

قام تيلر بتحليل العمليات النووية الحرارية وقدم نتائجه في مؤتمر عام 1941، وقتها اقترح مشارك يدعى(ايميل كونبنسكي) أن يتم البحث في استخدام التريتيوم كوقود حراري نووي، وهي نظرة ثاقبة ستكون مهمة لاحقاً للتصميمات المستقبلية.

ركود مشروع القنبلة الهيدروجينية

ظهرت مشاكل سياسية ادت الى ايقاف التمويل عن مختبر لوس ألاموس(مركز عمل مشروع مانهاتن) وإيقاف أي أنشطة نووية، إضافةً إلى بعض العقبات التقنية في صعوبة إيجاد تصميمات مناسبة لبدء عملية الاندماج، وعقبات أخرى أدت الى ركود لمشروع الأسلحة النووية الحرارية.

التهديد الروسي وإعادة إحياء المشروع

في عام 1949 انتشر خبر نجاح الاتحاد السوفيتي في صنع قنبلته الذرية الأولى، والذي كان بالمقام الاول عدو امريكا الاول ويعتبر أخطر من هتلر في الحرب الباردة. وقوع سر القنبلة الذرية في يد عدوهم الأخطر جعل امريكا تتوتر وتضطر الى ان تضغط على نفسها وتصنع سلاح اقوى، وتطلب من أوبنهايمر ثانيةً أن يشرف على مشروع جديد-أوبنهايمر: يَا فتَّاح يَا عَليم يا رزَّاقْ يا كَريم-ولكنه رفض.

عودة المشروع وتوفر الوسائل

توجه الرئيس الأمريكي(هاري ترومان) إلى اتخاذ قرار حاسم، وأصدر تعليماته لسلطة الطاقة النووية بمواصلة عملها على جميع أشكال الطاقة النووية وخص بالذكر القنبلة الهيدروجينية، وأصبحت الوسائل واضحة ومتوفرة بين فبراير وأبريل 1951 بعدما اقترح عالم الرياضيات(ستانيسلاف اولام ) تصميماً جديداً لسلاح الانشطار، وقدم تيلر تقريراً ببعض الحسابات المكثفة من قبل(فريدريك دي هوفمان) وتحدث بالتفصيل عن صنع قنبلة نووية حرارية( هيدروجينية ).

أصبح تصميم الانفجار الاشعاعي على مرحلتين كالذي اقترحه تقرير تيلر والذي ادى الى المفهوم الحديث للاسلحة النووية الحرارية المعروف باسم(تكوين تيلر-أولام).

كيف تعمل القنبلة الهيدروجينية؟

على خلاف القنبلة النووية التي تستخدم الطاقة المنبعثة عندما تنقسم نواة ذرية ثقيلة إلى نواتين أخف وزناً، فالقنبلة الهيدروجينية تستخدم الطاقة المنبعثة من اتحاد أو اندماج نواتان ذريتان خفيفتان لتكوين نواة أثقل.

كيف يحدث الاندماج النووي؟

في الظروف العادية تحمل النوى الذرية شحنة موجبة تعمل على صد النوى الاخرى بقوة ومنعها من الاقتراب من بعضها. فقط في درجات حرارة عالية جداً تصل الى ملايين الدرجات يمكن أن تكتسب النوى موجبة الشحنة طاقة حركية كافية، أو سرعة كافية لتفادي التنافر الكهربائي والتغلب عليه؛ نتيجة لذلك تقترب من بعضها وتتمكن من أن تتحد او تندمج تحت جاذبية القوة النووية قصيرة المدى.

يعتبر الهيدروجين المرشح الأمثل لتفاعل الاندماج النووي بسبب كتلته الصغيرة وبساطة نواته. عند اندماج نظائر الهيدروجين (الديوتيريوم والتريتيوم) لتكوين نواة هيليوم أثقل، تفقد النوى المتحدة جزءًا صغيرًا من كتلتها (حوالي 0.63% من الكتلة الكلية)، وتُحوَّل هذه الكتلة بالكامل إلى طاقة هائلة وفق معادلة آينشتاين: E=mc2

آلية تفعيل القنبلة الهيدروجينية

في القنبلة الهيدروجينية (أو القنبلة النووية الحرارية)، تبدأ عملية التفجير بقنبلة انشطارية تُعرف بالمرحلة الأولية. تحتوي هذه المرحلة على مادة انشطارية مثل البلوتونيوم-239، والتي تنفجر مولدةً حرارة وضغطًا هائلين يصلان إلى ملايين الدرجات. يتم توجيه هذه الطاقة عبر إشعاعات الأشعة السينية إلى المرحلة الثانوية، التي تحتوي على مادة ليثيوم-6 ديوترايد. تحت تأثير الحرارة والضغط، يتحول الليثيوم إلى نظير الهيدروجين وهو التريتيوم، والذي يندمج مع الديوتيريوم في تفاعل اندماجي يُنتج طاقة هائلة.

بالإضافة إلى ذلك، تساهم النيوترونات الناتجة من تفاعل الاندماج في انشطار اليورانيوم-238 المحيط، مما يضيف مزيدًا من القوة التدميرية. بهذه العملية، تُنتج القنبلة الهيدروجينية طاقة تفوق بمئات المرات طاقة القنبلة الانشطارية التقليدية.

ما هي صفات الضرر الناتج عن القنبلة الهيدروجينية؟

تتسبب النيوترونات المنبعثة من الاندماج التي تمثل معظم الطاقة المنبعثة من الانفجار تداعيات(ترسب المواد المشعة في الغلاف الجوي).

ينتج عن الانفجار النووي الحراري ضوء وحرارة وكميات متفاوتة من التداعيات، وتأخذ قوة الارتجاج الناتجة عن الانفجار شكل موجة صدمة تشع من نقطة الانفجار بسرعات تفوق سرعة الصوت ويمكن أن تدمر أي مبنى داخل دائرة نصف قطرها يصل لعدة أميال.

الضوء شديد البياض قوي جدا، يمكنه ان يسبب العمى لاي شخص يراه من مسافة عشرات الاميال ويؤدي هذا الضوء الشديد والحرارة الشديدة الى احتراق الخشب واي مواد قابلة للاحتراق على مسافة عدة أميال.

يلوث سقوط المواد المشعة الهواء والماء والتربة، وقد يستمر لعدة سنوات من الانفجار؛ توزيعها في كل العالم تقريباً.

تجربة أول قنبلة نووية حرارية

اجري أول اختبار حقيقي لقنبلة نووية حرارية(القنبلة الهيدروجينية) من قبل الولايات المتحدة في 1 نوفمبر 1952. حيث فجرت قنبلة سُميت ب (Ivy Mike) في جزيرة إنيويتوك ضمن جزر مارشال في المحيط الهادئ. بلغت قوة الانفجار 10.4 ميغا طن من مادة تي إن تي واحدثت دماراً هائلاً وخلفت حفرة قطرها 1.9 كيلو متر وعمقها 50 متر.

مقارنة بين القنبلة الانشطارية والقنبلة الهيدروجينية

على الرغم ان القنبلة الذرية قتلت أكثر 237 ألف شخص في هيروشيما بقوتها التدميرية الغير عادية وآثارها الاشعاعية المميتة، إلا أن القنبلة الهيدروجينية قادرة على قتل اضعاف رقم مدينة هيروشيما.

مدى الصدمة الارتجاجية للقنبلة الذرية يمكنه أن يصل من ميل الى ميلين من مركز الانفجار، بينما القنبلة الهيدروجينية قد يصل مداها الى 5_10 اميال، والضوء والحرارة وكمية الإشعاع فيها(التداعيات) أكثر بكثير من القنبلة الذرية بأضعاف مضاعفة. فالقنبلة الهيدروجينية اقوى من الذرية ب 1000 مرة.

القنبلة النووية تعتمد على الانشطار النووي لبعث كمية طاقة مأهولة، بينما القنبلة النووية الحرارية(الهيدروجينية) تعتمد على الانشطار والاندماج النووي معاً مما يجعل كمية الطاقة المنبعثة منها تفوق القنبلة النووية بمراحل.

قنبلة(الولد الصغير) التي القيت على هيروشيما تعادل 15 ألف طن من مادة( TNT) وقد سببت عدد ضخم من الوفيات والكثير من الدمار. القنبلة الهيدروجينية تعادل 15 مليون طن من نفس المادة، فلك أن تتخيل عزيزي القارئ حجم الضرر الناتج وعدد الوفيات إن استطاع عقلك ان يتخيل.

في النهاية عزيزي القارئ كل معرفة لها فائدة ولها ثمن. في مكان سقوط القنبلة النووية في هيروشيما، تم بناء نصب تذكاري لضحايا القنبلة النووية، وعلى هذا النصب كُتب: "لترقد كل هذه الارواح بسلام، لأننا لن نكرر هذا الشر أبداً". والنقطة التي يتفق فيها العلم والأخلاق والمشاعر أنه لا يمكننا أن نكرر نفس التصرفات ونتوقع نتيجه اخرى. فالحل الوحيد لعدم تكرار مأساة هيروشيما هو أن لا يُجيب العلم لوحده عن اسئلتنا الصعبة، وأن العلم بدون مخيلة وأخلاق وضمير سوف يقدم إجابات ناقصة، إجابات كقنبلة مرعبة تقتل الملايين. وان المعادلة الأصح بجانب معادلات الفيزياء هي أن نحرس انجازاتنا العلمية، وأن الثورة العلمية يجب أن يكون بجانبها في المعادلة ثورة أخلاقية.