على مر السنين الطويلة خاضت البشرية صراعات طويلة ضد أكثر الأمراض فتكاً و خطورة، والتي تسببت بمقتل الملايين من البشر عبر التاريخ. مرض السرطان واحد من أخطر تلك الأمراض الذي وقف الطب عاجزاً أمام علاج هذا المرض المستعصي. منذ وقت طويل لم يعرف البشرية علاجاً فعالاً للسرطان أفضل من العلاج الكيماوي، ومع التطور التكنولوجي بدأت بعض العلاجات البيولوجية بالظهور واثبات فعاليتها بتخفيف حدة السرطان إلى درجة معينة. لكن يا عزيزي بخصوص الاستكفاء بهذه العلاجات، فحدث ولا حرج، فليس كل النار تُطفأ بالماء، و كان لازماً على البشرية أن تحارب النار بالنار وتبتكر علاج يواجه السرطان بشكل مباشر وفي عُمق داره. وهنا تتدخل الفيزياء العظيمة لتفاجئ العالم وتقتحم عالم الطب مرة أخرى ولكن بشكل أقوى، وتنزل الستار عن أكثر العلاجات فعالية ضد السرطان رغم مخاطره الجانبية. وهذا العلاج يا عزيزي هو…العلاج الإشعاعي.
العلاج الإشعاعي
العلاج الإشعاعي هو نوع من أنواع علاج السرطان بشكل رئيسي. يشير مصطلح العلاج الإشعاعي إلى استخدام الإشعاع المؤين في تدمير الخلايا السرطانية. في العلاج الإشعاعي غالباً ما يتم استخدام الأشعة السينية، ولكن توجد أنواع أخرى من العلاج الإشعاعي، مثل إشعاع البروتونات.
الإشعاع المؤين
الإشعاع المؤين هو نوع من أنواع الطاقة التي تُطلقها بعض العناصر، ويكون لديها القدرة على تأيين الذرات من خلال جعلها تفقد إلكترونات. تنتقل هذه الطاقة إما في صورة موجات كهرومغناطيسية مثل الأشعة السينية أو أشعة جاما، أو في صورة جسيمات دقيقة مثل النيوترونات أو جسيمات ألفا وبيتا.
عندما تتفكك الذرات بشكل طبيعي وتتحلل، يُطلق على هذه العملية ب"النشاط الاشعاعي" وخلالها يتم إطلاق طاقة زائدة تُسمى الإشعاع المؤين. العناصر التي تُطلق الإشعاع المؤين تعرف بالعناصر المشعة، وهي عناصر غير مستقرة، تطلق الإشعاع المؤين لتعود لحالة الاستقرار. واي عنصر بشكل عام غير مستقر سواء طبيعياً أو صناعياً يُطلق تلك الطاقة الزائدة.
تاريخ العلاج الإشعاعي
كان اكتشاف الأشعة السينية على يد الفيزيائي الألماني وليام رونتجن عام 1895، و اكتشاف النشاط الاشعاعي من قِبل الفيزيائي الفرنسي هنري بيكريل، قد أظهر التأثيرات البيولوجية للإشعاع. فعندما تم استخدام الأشعة السينية للتصوير الطبي، لوحظت الآثار الجانبية التي تتركها بعد التصوير كالحروق والاحمرار وموت الخلايا. والأمر كذلك بالنسبة للنشاط الاشعاعي الذي شوهدت أضراره المخيفة بعد مأساة هيروشيما و حادثة تشيرنوبل، وأظهرت هذه الأضرار الموت السريع للخلايا وتلف الأعضاء والإصابة بالسرطان والموت في وقت قصير. لاحقاً وفي أوائل القرن العشرين، تم استخدام العلاج الإشعاعي لعلاج الأورام السرطانية الحميدة والخبيثة. في العام 1922 قدم اخصائي الأورام الاشعاعي الفرنسي (هنري كوتار) الدليل الأول لاستخدام العلاج الإشعاعي على عدة جلسات علاجية لعلاج سرطان الحنجرة المتقدم دون التسبب في آثار جانبية ضارة كبيرة.
أنواع الإشعاع المستخدم في العلاج الإشعاعي
يستخدم العلاج الإشعاعي عدة أنواع من الإشعاع المؤين سواء كانت جسيمات او موجات.
الأشعة السينية(X-ray)
وهي موجات كهرومغناطيسية عالية الطاقة. يتم استخدامها بشكل رئيسي في العلاج الإشعاعي الخارجي(إطلاق الأشعة من جهاز نحو الورم داخل الجسم).
أشعة جاما(Gamma-ray)
موجات كهرومغناطيسية طاقتها أعلى من الأشعة السينية. يتم استخدامها في العلاج الإشعاعي الخارجي والداخلي(إطلاق الإشعاع من العناصر المشعة نحو الورم باستخدام تقنيات معينة لزرع تلك العناصر داخل الجسم)
شعاع الالكترونات
يستخدم العلاج الإشعاعي حزمة من جسيمات الالكترونات، و الالكترون جسيم مشحون بشحنة سالبة، ومناسب للأورام السطحية مثل سرطان الجلد.
شعاع البروتونات
البروتونات جسيمات مشحونة بشحنة موجبة وتستخدم في العلاج الإشعاعي بالبروتونات، حيث يمكن التحكم في مدى اختراقها، مما يقلل الأضرار الجانبية المحتملة على الأنسجة السليمة. ويعتبر علاج البروتونات احدث تقنية في العلاج الإشعاعي ويتم العمل على تطويرها حتى يومنا هذا.
شعاع النيوترونات
وهي جسيمات غير مشحونة يتم استخدامها في علاج بعض أنواع الأورام المقاومة لأنواع الإشعاع الأخرى في العلاج الإشعاعي.
شعاع ألفا وبيتا
جسيمات ألفا سالبة الشحنة وجسيمات بيتا موجبة الشحنة، تستخدم بشكل رئيسي في العلاج الإشعاعي الداخلي والذي يُعرف ب"Brachytherapy"، لعلاج بعض الأنواع من الأورام.
فيزياء العلاج الإشعاعي
إن أساس عمل العلاج الإشعاعي هو انتاج الإشعاع المؤين والمواد المشعة اللذان يدمران الخلايا السرطانية وهذا يأتي عبر الطرق الفيزيائية التي تندرج تحت الفيزياء النووية والهندسة الميكانيكية. هناك أجهزة ومنشآت نووية تعمل على إنتاج الإشعاع المؤين والمواد المشعة ومنها:
المولد:
مولد النظائر المشعة هو جهاز يعمل على تحليل عناصر مشعة وفصلها عن بعضها لاستخراج نظائر مشعة. يعمل المولد على تحليل عنصر مشع رقم 1 والذي يمتلك عمر نصف اطول(الزمن الذي يستغرقه العنصر لفقد الطاقة والتحلل) و يسمى ب النظير الأم إلى نظيره المشع العنصر رقم 2 والذي يسمى النظير الابن، بعد ذلك يقوم بفصل النظيرين عن بعضهما واستخراج النظير المشع الذي يمتلك عمر نصف أقصر لاستخدامه في العلاج الإشعاعي.
المفاعل النووي:
لا تهلع عزيزي القارئ، ليس كل ما يخرج من المفاعل النووي هو طاقة مخيفة. ينتج المفاعل النووي الطاقة النووية عن طريق الانشطار النووي الذي يحول عنصر معين إلى عنصر آخر بسبب قذفه بالنيوترونات. تستمر سلسلة انقسامات معينة للعنصر ونظائره حتى يتم إنتاج العنصر المستخدم في العلاج الإشعاعي.
مسرعات الجسيمات:
أجهزة ثقيلة تُستخدم لإنتاج حزم من الطاقة العالية سواء كانت موجات ك الأشعة السينية أو الجسيمات ك الالكترونات، عبر تسريع الجسيمات إلى سرعات عالية في مسار محدد مغلق وهناك نوعين من المسرعات وهما المسرع الخطي والمسرع الدائري، وكلاهما يستخدمان لإنتاج الإشعاع المؤين المستخدم في العلاج الإشعاعي، أو إنتاج النظائر المشعة عبر قذف عناصر بالجسيمات لتتحلل وتتحول إلى نظائر مشعة.
انواع العلاج الإشعاعي
يستخدم العلاج الإشعاعي عدة طرق لإيصال الإشعاع إلى الأورام والأنسجة السرطانية، وتصنف هذه الطرق إلى طريقتين رئيسيتين وهما العلاج الإشعاعي الخارجي والعلاج الإشعاعي الداخلي.
1ـ العلاج الإشعاعي الخارجي
أو External beam radiation Therapy (EBRT)، وهي طريقة في العلاج الإشعاعي يتم فيها استخدام جهاز يُسمى بالمُسرع الخطي لتوجيه حزمة من الاشعة السينية عالية الطاقة(أكبر من طاقة الأشعة التشخيصية) نحو المريض المستلقي على طاولة الجهاز. تمتلك هذه الطريقة تقنيات متطورة لتوجيه الأشعة نحو الورم بشكل دقيق جدا مما يزيد من فعالية تدمير الورم وتقليل فرص تعرض الأنسجة السليمة للضرر.
المسرع الخطي(linear accelerator)
فيزيائياً، المسرع الخطي يحتوي على مجال كهربائي قوي يعمل على تسريع الإلكترونات إلى سرعات عالية جدا تقترب من سرعة الضوء، وهذا من شأنه أن يُنتج فوتونات أشعة سينية عالية الطاقة تقل إلى 500 Mev©. تمثل هذه الطاقة جرعة كبيرة للمريض، ومن خلال توجيهها بدقة باستخدام تقنيات متطورة تعمل على تحديد شكل الإشعاع وتوليده بطريقة ثلاثية الابعاد تناسب حجم وشكل الورم، مما يستهدف الورم بدقة ويقلل الضرر للانسجة السليمة المحيطة.
العلاج الإشعاعي الخارجي بالبروتونات
يتم استخدام البروتونات بدل الأشعة السينية في العلاج الإشعاعي. يستخدم حزمة من البروتونات لتوصيل الإشعاع مباشرة إلى الورم، هذا يوفر شعاع يتوافق مع شكل وعمق الورم مع الحفاظ على الأنسجة والأعضاء السليمة المحيطة.
تقنيات العلاج الإشعاعي الخارجي
يستخدم العلاج الإشعاعي الخارجي عدة تقنيات تعمل على تصميم الإشعاع بأشكال مناسبة لشكل وحجم الأورام في مختلف أماكن الجسم وهذا بهدف حماية الأنسجة السليمة المحيطة ومن هذه التقنيات:
العلاج الإشعاعي المطابق ثلاثي الابعاد(3DCRT):
يتم عمل مسح ثلاثي الأبعاد لتحديد حجم وشكل الورم الدقيقين، وبالتالي يتم تشكيل أشعة تناسب تماما ذلكما الحجم والشكل.
العلاج الإشعاعي المعدل الشدة(IMRT):
حزم إشعاعية متعددة مباشرة ذات كثافات مختلفة لتقليل الجرعة على المريض.
العلاج الإشعاعي الموجه بالصور(IGRT):
يتم دمج التصوير مع العلاج لزيادة الدقة، وتستخدم هذه التقنية للسرطانات المتحركة أو ال(Metastasis) مثل سرطانات الرئة، الكبد، البنكرياس والبروستاتا.
2ـ العلاج الإشعاعي الداخلي
أو (Brachytherapy)، ويتضمن وضع مواد مشعة مباشرة داخل أو بالقرب من الورم. يستخدم ثلاث تقنيات أساسية وهم:
العلاج الإشعاعي بالمصدر المغلق(Sealed source therapy)
ويسمى أيضا العلاج الإشعاعي الموضعي. يتم وضع بذور صغيرة تحتوي على مادة مشعة في قلب الورم أو بجانبه بشكل جراحي ويستخدم جهاز يسمى (Applicator) لوضع تلك البذور المشعة، وتبدأ المادة المشعة بإطلاق الإشعاع نحو الورم وتدميره. ميزة هذه التقنية أنها تستخدم جسيمات ألفا غالباً في قتل الورم وبما أن جسيمات ألفا كبيرة الحجم فهي لن تكون قادرة على اختراق حدود الورم أو المنطقة الملاصقة له وبالتالي لن تتسبب بضرر إلى حد ما للانسجة السليمة.
العلاج الإشعاعي بالنظائر المشعة(radioisotopes therapy)
ويسمى ايضا بالعلاج بالمصدر المفتوح. يُعطى المريض نظائر مشعة في صورة حقنة أو حبة دواء، ويتم اختيار المادة المشعة على حسب نوع النسيج أو العضو الذي يتموضع في الورم الرئيسي، فيقوم العضو المصاب بامتصاص المادة المشعة وبالتالي توجيه الإشعاع نحو الورم وقتله.
شكل آخر للعلاج بهذه الطريقة. وهي عندما ينمو السرطان ويحتل أماكن أخرى غير المكان الذي ظهر فيه مثل العظام، يتم استخدام عناصر مشعة مثل عنصر الراديوم(Ra223)، يتصرف عنصر الراديوم مثل الكالسيوم في الجسم، أي أنه يتم امتصاصه في العظام، وعندها سيجد الورم في العظم ويقضي عليه بالإشعاع.
العلاج الإشعاعي باستخدام الجراحة الإشعاعية التجسيسمية
تُعرف ب (SRS) و(SBRS). وهي ليست عملية جراحية بالمعنى الحقيقي، بل يتم استخدام حزم مركزة ودقيقة تشابه استخدام المشرط الجراحي في تدمير الأورام الصغيرة والقريبة من المناطق الحساسة ك أورام الدماغ.
أضرار العلاج الإشعاعي على المريض
عزيزي القارئ، هناك احتمالية أن يتعرض المريض إلى آثار جانبية أثناء أو بعد العلاج الإشعاعي مثل الصداع، الاسهال، الاعياء، الغثيان والانتفاخ. وهذا يعتمد على الجزء الذي تعرض للإشعاع من الجسم ومقدار الإشعاع المُستخدم. لكن من المطمئن معرفة أنه إذا ظهرت على المريض بعض هذه الآثار فيمكن السيطرة عليها أثناء العلاج، كما أن معظم تلك الآثار الجانبية سوف تزول بعد العلاج.
قد تظهر بعض الآثار الجانبية بعد العلاج الإشعاعي، وتسمى بالآثار الجانبية المتأخرة، وتزول بعض وقت قصير. في حالات نادرة للغاية قد يتكون ورم سرطاني جديد بعد سنوات أو عقود من علاج السرطان الأول، وقد يرجع السبب إلى العلاج الإشعاعي أو علاجات اخرى، لكن تبقى فكرة تضرر الأنسجة السليمة أثناء العلاج الإشعاعي واردة.
مرض السرطان يا عزيزي هو مرض عدواني وعنيف على الجسم، لذا كان لابد من إيجاد علاج يتميز بدرجة مشابهة لتلك العدوانية والعنف، علاج يمكنه محاربة السرطان بنفس سلاحه ويضربه في نقطة قاتلة. العلاج الإشعاعي على الرغم من مخاطره المحتملة إلا أنه أثبت فعاليته في علاج بعض أنواع السرطان بشكل كامل، وتخفيف حدة بعض أنواع أخرى إلى درجة تسمح بالشفاء بواسطة طرق وعلاجات مكملة. وعلى الرغم من أن العلاج الإشعاعي ليس الرصاصة السحرية التي تقتل المرض بشكل نهائي، إلا أنه قطع مشواراً طويلاً ليتحول من سلاح فتاك يقتل المرض والمريض معاً إلى ميزان حساس وقادر على التدخل كسلاح شديد الدقة يقتل المرض بدون قتل المريض. ومرة أخرى أذكرك يا عزيزي أن ما يُميت يُفيد.