طفولة المُخرج ليست مجرد ذكريات، بل مصدر إلهام خفي يصوغ أسلوبه الفني، حيث تتحول التجارب الأولى إلى مشاهد تنبض بالإبداع والحنين.

Image

كيف تؤثر طفولة المُخرج على نظرته الفنية



  • عدد الزيارات ( 566 )
  • تاريخ النشر: 10 / ديسمبر/ 2024

تخيل المشهد: صوت زر الكاميرا يلتقط ضحكات العائلة في لحظة دافئة، أشعة الشمس تتسلل عبر نافذة في صباح هادئ، كوب من الشاي الساخن إلى جانب كعكة البرتقال على طاولة خشبية وموسيقى قديمة تتسلل إلينا عبر مذياع قديم.

كل هذه العناصر لا تجسّد مجرد مشهد عادي، بل هي أدوات تتداخل لتشكل شخصياتنا ونظراتنا لما نسميه بالفن الإخراجي.

هل فعلًا تُؤثر طفولة المُخرج على نظرته الفنية؟ هل تشكل التجارب الأولى رؤيته الإخراجية؟

تساؤلات تُفسّر نظرة المخرج لأعماله الفنية:

أحيانًا، قد يتساءل المُخرج: "هل تفاصيل طفولتي هي التي تجعلني أختار زاوية معينة أو لونًا محدداً؟" إن التجارب الأولى، كالألوان أو الأصوات التي رسخت بذاكرتنا منذ الصغر، تنسج خيوطاً تصل بين الماضي والحاضر تؤثر على أسلوبنا في تأمل المشاهد وصنع الأفلام.

فمن خلال الصمت، المراقبة، وتأمل كل عنصر منفرد، يتشكل كادر عميق قد تعجز عن وصفه الكلمات، مشهد يتحدث بصمت وإنسجام تام،كأنه لوحة فنية مرسومة منذ الأزل.

يقول عالم النفس دانيال شاختير في كتابه "الخطايا السبع للذاكرة": "الذكريات الحسية، مثل الأصوات والروائح، تشكل ملامح ذاكرتنا وتؤثر بشكل كبير على كيفية استحضارنا للأفكار الإبداعية، فهي تلعب دورًا محوريًا في قدرتنا على التفكير بشكل مبتكر"

فعندما يستحضر المُخرج تلك اللحظات، يتحول عقله إلى ورشة عمل فنية، حيث يمتزج الخيال بالواقع، فكل عمل فنّي يتجسد من خلاصة هذه التجارب، ليكون بمثابة جسر بين الذات والعالم.

الطفولة وتأثيرها على الفن الإخراجي

الطفولة هي نسيج من الألوان والأصوات والروائح التي تستقر عميقاً داخلنا، تشكل خلفية تمهد لتطوير نظرتنا.

خلال تجربتي في الإخراج السينمائي، وجدتُ أني عندما أوثّقُ مشاهد لأماكن أو شخصيات معينة، أعود إلى ذكرياتي، مستوحيةً من لحظاتٍ تأملتها أو عشتها سابقاً. ذلك ساعدني في خلق عالم سينمائي يعبر عن ذاتي ويعرّفني أكثر على نفسي؛ ما أحب ما أكره.

أذكر مشهداً قمت بتوثيقه لشجرتي المفضلة في حديقة بيتنا، حيثُ تسللت أشعة الشمس البرتقالية عبر أوراقها الخضراء، شعرت حينها كأنما روحي بعثت من جديد.

ذكرني ذاك المشهد بيومٍ في طفولتي، حينما أخبرتني أمي عن التأمل وحبها للزراعة وكيف أن الشجرة نفسها تشعر كما نشعر نحن. استندت في ذلك المشهد إلى ذكريات طفولتي؛ كيف كانت الأصوات والألوان تثير في داخلي مشاعر من الحنين، فهذه اللحظات البسيطة والمؤثرة يمكن أن تصبح تجربة حية تعيد إلى الذاكرة ذكريات قديمة لا تُنسى.

عقل المُخرج: مختبر الأفكار وتطويع الأدوات

يمتلك المُخرج أدوات تساعده في أعماله الفنية، لكن عقله هو المختبر الحقيقي الذي يختبر ويجرب ويعيد تشكيل الأفكار، فتتنقل هذه الأفكار من مرحلة التأمل إلى الإبداع، حيث تتزاوج الصورة مع المعنى، لتُصنع قصة تظل عالقة في ذهن المشاهد.

يجد المُخرج نفسه في حالة دائمة من الاستكشاف، يبحث عن زوايا جديدة، ويرسم حدوداً غير مسبوقة بين الواقع والخيال، حتى الأدوات البسيطة تصبح في يده أدوات للتعبير عن أفكاره، ليحول البساطة إلى عمق ويمنح المشاهد تجربة فريدة ومؤثرة.

التأمل والمراقبة: بوابة الإبداع في عقل المُخرج

عقل المُخرج هو عقل متأمل و مراقب بالفطرة، يُبصر الأحداث والأشخاص من حوله، ويستكشف عمقها كمن يكتشف طبقاتٍ خفية في اللوحة، فقدرته على التأمل أوالمراقبة تتيح له أن يلتقط لحظات قد تبدو عادية، لكنّها تحمل قصصاً لم تُحكَ بعد.

يبدأ المُخرج بتأمل داخلي، حيث تعكس له مرآته الخاصة أدق تفاصيل الحياة، من نظرة عابرة إلى حركة غير مرئية، ليصنع منها سحرًا يتحول إلى صور مرئية، وبهذه الطريقة، تُعَبر عدسة المخرج عن روح الإنسان وتجربة الحياة، مجسدةً لمحاتٍ قد يغفل عنها الكثيرون.

في الختام، يتضح أنّ الطفولة تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل رؤية المخرج الفنية، فكل لحظة صغيرة من التجارب والذكريات تترك بصمة غير مرئية على أسلوبه وتوجهاته الإخراجية، فتلك اللحظات التي قد تبدو عابرة في وقتها، تصبح فيما بعد مفاتيح لفهم العالم وصياغة القصص بطريقة فريدة، وكما أشار المفكر سيغموند فرويد، فإن "تجارب الطفولة هي القوالب الأولى التي تصوغ وعينا” ومن خلال هذه الرؤية الشخصية، يعكس المُخرج حياته الداخلية ويترجمها إلى صورٍ تُحاكي مشاعرنا وتثير أفكارنا.



عن الكاتب


Author

Samartlulu

Samarlulu20003@gmail.com

عدد المقالات 1