ما هي طبيعة الضوء؟ موجة ام جسيم؟ ام كلاهما؟ اتت تجربة الشق المزدوج لتجيب عن هذا السؤال لكن نتائجها المفاجأة فتحت بابا معقدا لم يُغلق حتى يومنا هذا

Image

طبيعة الضوء: القصة المذهلة وراء أعظم تجربة في الفيزياء



  • عدد الزيارات ( 548 )
  • تاريخ النشر: 13 / ديسمبر/ 2024

لو سألتك عزيزي القارئ: لماذا لا يمكننا إقامة حفل زفاف في الفضاء؟ ربما تجيب بأننا لن نستطيع سماع الموسيقى، فالآلات الموسيقية تصدر أصواتًا هي أمواج ميكانيكية تحتاج إلى وسط مثل الهواء للانتقال. في الفراغ، كالموجود في الفضاء، لن تصل الأصوات إلى أذنيك، لكن على الأرض يمكنك سماع الموسيقى والاستمتاع بحفلك. ولكن ماذا عن الضوء؟

طبيعة الضوء: جسيم أم موجة؟

على عكس الصوت، الضوء لا يحتاج إلى وسط ناقل، مما أثار فضول علماء الفيزياء. نيوتن، مثلاً، افترض أن الضوء يتكون من جسيمات تسير في خطوط مستقيمة، وأثبت ذلك بالتجارب والرياضيات. بالمقابل، ظهر فريق آخر من العلماء قال إن الضوء موجات تسير في الفراغ، ودعموا ذلك أيضاً بالتجارب العلمية والرياضيات.

تجربة حيود الضوء

في عام 1818، ازداد موقف أنصار طبيعية الضوء الموجية قوة، في مسابقة علمية نظمتها الأكاديمية الفرنسية للعلوم. عندما كان هناك جدال بين عالمين أحدهما مؤيد لفكرة طبيعة الضوء الجسيمية والآخر مؤيد لفكرة طبيعة الضوء الموجية، فاقترح رئيس لجنة التحكيم (فرانسوا أراجو) تجربة بوضع حاجز أمام مصدر ضوء. حيث أن: إذا كان الضوء جسيمات، سيظهر ظل طبيعي للحاجز. أما إذا كان موجات، فسوف ينحرف الضوء حول الحاجز مكونًا بقعة مضيئة خلفه، وهو ما حدث بالفعل يا عزيزي، وأُطلق على هذه الظاهرة ب "حيود الضوء".

تجربة الشق المزدوج

قبل تجربة الحيود بـ11 عامًا، أجرى طبيب يُدعى توماس يونج_لا أحتاج لاخبارك أنه في هذا الوقت كان الجميع يفتي بالفيزياء_ تجربة الشقين. وضع حاجزًا به شقين أمام خلفية وسلط شعاع ضوء على الشقين. حيث أن الفكرة هنا، إذا كان الضوء جسيمات، سيظهر خطان فقط على الخلفية. أما إذا كان موجة، فسيظهر شكل يُسمى ب نمط التداخل، وبالفعل هذا ما حدث وظهر نمط التداخل.

نمط التداخل (interference pattern)

ينتج نمط التداخل بسبب تداخل موجات الضوء ويظهر على شكل خطوط مضيئة وخطوط معتمة:

منطقة مضيئة: تتكون عندما تلتقي قمة موجتين معًا.

منطقة معتمة: تتشكل عند التقاء قمة موجة مع قاع موجة أخرى.

نتائج يونج دعمت بقوة فكرة أن الضوء موجة، واضعفت موقف أنصار طبيعة الضوء الجسيمية ورفقاء نيوتن.

مساهمة ماكسويل

زاد الفيزيائي جيمس كلارك ماكسويل من قوة نظرية موجية الضوء. وضع أربع معادلات رياضية أوضحت أن الضوء موجات كهرومغناطيسية(electromagnetic waves)، وهو جزء من طيف واسع يشمل موجات أخرى. لتزداد بعدها قوة موقف أنصار نظرية طبيعة الضوء الموجية، ويعلن عن حسم هذا الجدال ل رفقاء ماكسويل

موقف أينشتاين

جاء أينشتاين ليعيد الجدل مرة أخرى. اينشتاين تساءل : إذا كان الضوء موجة، كيف ينتقل ضوء الشمس في الفضاء ويصل الينا؟ كان العلماء حينها يؤمنون بوجود وسط ناقل يُسمى "الأثير"، لكن أينشتاين نفى وجوده، وقال إن الضوء يتكون من وحدات منفصلة تُسمى الفوتونات. هذه الفوتونات تتصرف كجسيمات، لكنها تحمل خصائص الموجة أيضًا.

نظرية أينشتاين التي تجمع بين الطبيعتين الموجية والجسيمية للضوء كانت ثورية، وحصل بسببها على جائزة نوبل، وليس عن نظريته النسبية. صدق العالم وقتها أنه اخيرا حُلت هذه المعضلة وعرفنا ما هي طبيعة الضوء.

إحياء تجربة الشق المزدوج

عزيزي القارئ، النقر على الازرار مرض الفيزيائيين ،علماء الفيزياء لا يعرفون للهدوء طريق. أعاد العلماء تجربة الشق المزدوج، لكنهم هذه المرة قاموا بصناعة مسدس فوتونات و أطلقوا الفوتونات بشكل منفصل. النتيجة كانت غريبة:

عند إطلاق فوتونات منفصلة، ظهرت نقاط مضيئة عشوائية على الحاجز ولكن مع استمرار الإطلاق، تشكل نمط التداخل المميز للموجة!

المفروض أن نمط التداخل يتشكل عند التقاء موجتين كما قلنا سابقا. لكننا نقوم بإطلاق فوتون منفرد تلو الآخر، لماذا يظهر نمط التداخل!

تحديث تجربة الشق المزدوج

من اجل الحصول على تفسير لما يحصل مع الفوتونات أعاد العلماء التجربة لكن بإضافة عامل جديد وهو معرفة أي من الشقين مر منهما الفوتونات ونسمي هذه التجربة ب (تجربة اي طريق منهم)

ولمعرفة الطريق الذي سلكه الفوتون قام العلماء بوضع جهاز يرصد حركة الفوتونات(photon detector). وبعد رصد الفوتونات تبين أن نصف الفوتونات عبرت من الشق الايمن والنصف الآخر عبرت من الشق الايسر وهذا طبيعي. لكن المفاجأة يا عزيزي كانت عند الخلفية التي وراء حاجز الشقين، عندما ألقى العلماء نظرة عليها لم يجدوا نمط التداخل، بل وجدوا خطين منفصلين!

في حال لم نرصد الضوء يتصرف كموجة وفي حال قمنا برصده يتصرف كجسيم! هل هذه مزحة من الضوء ؟

التحديث الثاني لتجربة الشق المزدوج

هذه المرة قرر العلماء تصعيد الامر واضافوا تحديث اخر للتجربة. في هذا التحديث قام العلماء بوضع كريستالة من نوع خاص جدا تقوم بقسم الفوتون إلى فوتونين متساويين وكل فوتون يحمل نصف طاقة الفوتون الاصلي. الفوتون الاول سوف يمر عبر الشقين بشكل طبيعي، ام الفوتون الاخر سوف يتم رصده بجهاز رصد الفوتونات. النتيجة عزيزي كانت أن الفوتون تصرف كجسيم وظهر على شكل خطين على الخلفية، وكأن الأمر ان الفوتون الذي عبر الشقين بدون أن نرصده علم بطريقة ما أن شقيقه الآخر تم رصده فتصرف تصرف الجسيم، هل انت متخيل يا عزيزي؟!

المجتمع العلمي ليس لديه تفسير لما يحصل، الفيزياء تنهار ولا دلالت واضحة على طبيعة الضوء فالذي يحصل هو جنون!

إلكترونات وذرات بدل الفوتونات

قرر العلماء رفع سقف التحدي وتطبيق تجربة الشق المزدوج بتحديثاتها على الكترونات. نحن يا عزيزي نعرف ومتأكدين ان الالكترون جسيم له كتلة وشكل واضح، وعند تنفيذ التجربة بمسدس الالكترونات، ماذا حصل يا عزيزي؟ حصل نفس الشيء مع الفوتونات. جرب العلماء نفس الشيء مع الذرات ووجدوا نفس النتيجة.

من هنا يا عزيزي وفي العام 1920 بدأت واحدة من أعقد الجدليات في تاريخ الفيزياء، وكانت هذه المناقشة بين اينشتاين ونيلز بور، وكل واحد منهما حاول أن يقدم تفسير لما حصل مع الضوء، وتقدم بور اولا وقدم تفسيراً بالمشاركة مع العالم ايرنر هايزنبرج يدعى تأويل كوبنهاجن للكم، وجاء اينشتاين ورفض هذا التفسير وانكره واستمرت المعضلة حتى يومنا هذا. و رغم الجهود المستمرة، لم يتوصل العلماء إلى إجابة نهائية حول طبيعة الضوء. هل هو جسيم؟ موجة؟ أو شيء آخر تمامًا؟ لكن محاولاتنا لكشف هذا السر، قادتنا لكشف اسرار أخرى رائعة ساعدتنا على التطور والارتقاء، وعلمتنا اشياء جديدة عن هذا الكون الجميل. فالعبرة هنا يا عزيزي ليس الهدف الأسمى في رحلة البحث هو أن تجد ما تبحث عنه، بل الهدف الأسمى هو ما تعلمته واكتسبته خلال هذه الرحلة.